بحوث الرأي العام وجدلية السلطة

2015.11.18 - 4:01 - أخر تحديث : السبت 21 نوفمبر 2015 - 4:08 مساءً
ارسال
لا تعليقات
قراءة
شــارك
بحوث الرأي العام وجدلية السلطة

لا شك ان العجز الديمقراطي الذي ينتاب اغلب النظم السلطوية العربية، يقع جزءً كبيراً منه في اشكالية مدى تقبل تلك النظم لسلطة الرأي العام، ذلك المجال الحيوي الذي يلوح مفاهيمه وأدواته وامكانياته الكبيرة في خلق أرض مستقرة جليّة للحكومات، غموضا يجعل من المستعصي على الحكومات تحمل عناء الكشف عنه وعن مدلولاته، مما يسفر عن قولبة الرأي العام في اطار معين ثانوي، وتحجيمه بشكل ينتفي به اهم وظائفه وهو جعله ينطلق نحو الفضاء العام وايصال الاصوات الغير مسموعة الى الجهات الحكومية، ولاسيما الاهمية الكبيرة المتعلقة بالبحوث والدراسات المستندة الى ما يقدمه الرأي العام من استطلاعات منهجية علمية وتحويل لغة الارقام الى لغة سياسة خدمية وواعية وسنحاول في هذه الورقة الاجابة عن اشكالية تتمحور في السؤال : ما طبيعة الدور الذي يؤديه الرأي العام ببحوثه واستطلاعاته في انضاج العملية السياسية في العراق؟

يعد العراق فتي التجربة الديمقراطية التي شهدت النور عام 2003م في ظل ظروف جدلية، صاحبها احتلال لقوات اجنبية عوقت من تدفق الديمقراطية بشكلها الصحي سياسياً، حيث انقسمت الذهنية العراقية بين تحديدات متباينة متمثلة بفرحة الخلاص من ظلال الهيمنة والاستبداد الذي كان مسيطر طوال عقود، وبين اشابة تلك الفرحة المتلونة بطابع الاحتلال وفقدانها لطابعها الوطني، لذلك كانت العملية السياسية وعلى مر عقد ونصف، تحاول الخروج من نفق الماضي صوب مستقبل وطني  متعززة فيه روح المواطنة المنضبطة بقانون موحد يوحد كل العراقيين، الا ان ما يسجل على تلك الطموحات الفكرية انها غفلت عن الاحاطة بجانب عملي لا يقل اهمية عن الجوانب الفكرية الديمقراطية، وكما يؤسس بقوله الاستاذ يوسف الصواني ان العمل الفكري على الرغم من أهميته ودوره الوظيفي البارز في تجاوز نواقص التنظير والتأصيل ظل محتاجاً إلى عدد من الدراسات الامبريقية والحقائق التي يجري استخلاصها من ميدان الحياة العملية، بما يسمح بالتعرف على الاتجاهات والقيم في مستواها الشعبي، أي ان الدراسات والبحوث المستندة لاستطلاعات ميدانية سيكشف مدى توغل مفاهيم مثل الحرية والديمقراطية إلى الوعي العراقي في مستوياته الشعبية، ولا يبقى التنظير والتشريع محصوراً في فئة محددة سياسية قد لا تمثل مستويات الشعب كافة فضلاً عن اختلاف مستوياتها الذهنية بما يتلاءم وتباين مستوياتها العملية والحسية.

لقد أملت العملية السياسية في العراق على ضرورة تتبع طرق علمية منهجية ذات طابع امبريقي لا يتمثل في حصر الاستفادة من نتاجها في معرفة رقمية، بل تأسيس فهم وادراك جديد وفقا لهذه الارقام وهنا يجري التأكيد على أهمية الدور الذي تكتسبه  بحوث الرأي العام في الكشف عن القيم التي يعتنقها الرأي العام وفهم مآلها.

 

توظيف بحوث الرأي العام في خدمة العملية السياسية:

يستطيع صانع القرار السياسي عبر مراجعات لبحوث الرأي العام ونتائجها استخلاص الاسباب التي تعيق من تحقيق المقاصد السياسية، فضلاً عن تلمس العمق الذي يمكن ان يلج فيه قراره الآني عبر ادراكه لمسببات وقيود قراره من تلقفها من قبل الشارع العراقي الذي يمتلك وعياً ومشاعراً يعبر عنهما بتعبيرات مختلفة.

إن أهم اسباب فشل السياسات المحلية او الخارجية هو عدم ايمان السياسي بنجاعة اللجوء إلى خدمات الرأي العام، مفترضاً أن تلك الارقام ليست سوى عينّات عشوائية قد لا تمثل مكونات واسعة قد تتقبل آثر السياسات وتتماشى معها، وهذا مرده لأمرين:

-السبب الاول يتمثل بعدم جدية مجال الرأي العام في العراق واتباعه الاساليب العلمية بشكلها الدقيق الحذر على مدار عقود طويلة وما يشهده العراق اليوم من انفتاح وطني صوب هذا المجال هو انفتاح بطيء يحتاج لدعم ذاتي وسياسي، مما يولد عدم ثقة في خدمات تلك المراكز من قبل الحكومة.

-الامر الثاني ان الذهنية الفكرية للسياسي العراقي غالبا ما تتوسم بكونها هي ذهنية تعتمد لغة التطبيق المباشر واحتساب الرهانات الحالية، دون الحساب لمخاطر المستقبل ووضع الخيارات البديلة  وعليه فحتمية التعاون الموضوعي ما بين دائرتي الرأي العام والحكومة على مختلف أصعدتها يظهر بشكل واضح انه تعاون مثمر يزيل الغموض عن البحث في اسباب تلكؤ السياسات بشكلها الآني ويتيح التعرف على مسار تطبيق السياسيات بشكلها المستقبلي ويمكن القول ان الالية الصحيحة التي على السياسي الناجح ان يتبعها فيما يخص طريقة الاستفادة من بحوث الرأي العام والتي تمكنه من ضمان البقاء على مقربة من تحقيق المقاصد السياسية،  هي:

-المتابعة المستمرة لاستطلاعات الرأي العام المحلي والاقليمي والعالمي واجراء المقارنة بينها ومعرفة الاختلاف في النسب مما يوسع المدارك -ويسهل التعرف بسهولة على اتجاهات الرأي العام وتحديد موقع النظام السياسي في منظومة القيم الاجتماعية.

-قراءة البحوث والدراسات المتعلقة بالرأي العام بموضوعية وبعين ثاقبة راصدة لملخصاتها وتوصياتها التي غالباً ما تخدم العملية السياسية.

-ألاخذ بعين الاعتبار التبدلات التي تطرأ على اتجاهات الرأي العام والتي يتم التوصل اليها عبر البقاء على التواصل المستمر مع مراكز الرأي العام ففي ذلك فائدة لتلافي قرارات قد لا تتفق مع التبدلات الجديدة، وهذا بدوره لا ينجم عن استجابة مفترضة لهذه السياسة. فضلاً عن تقليل هامش التوقعات واستبدالها بسياسة يقينات واحتمالات راجحة للحقيقة والصحة وبالتالي بناء سياسات ذات محتوى وطني مبني على حيثيات قريبة من الواقع في اقل توقع.

-عدم الاكتفاء بأخذ النتائج الكمية من استطلاعات الرأي العام بل تحليلها وتفسير مؤشراتها للوقوف على العوامل الكامنة وراء الرفض الشعبي للسياسات الحكومية.

 

وأخيراً لابد من القول أن من اهم السمات الحضارية للمسار الديمقراطي هو جعل الرأي العام أداة مقربة من الحكومة السياسية، لكونها العين الراصدة لما تحت السطح الظاهر، فهو الأداة الكاشفة لطبيعة القيم التي تسود المجتمع ولا يمكن تحقيق استقرار سياسي وادامة عملية سياسية من دون جعل الشعب يستجيب بشكل فعال ووطني تجاه العملية السياسية من خلال تفعيل ادواره الوطنية، وهذا لا يمكن الا عبر فهم وادراك لتوجهات الرأي العام وقياس مدى تقبل او عدم تقبل ما يتم اجراءه لتحسين الاخطاء وتشذيب ما يزود، وهذا يصب في زيادة قوة السياسي الطامح في كسب ثقة شعب يفهم ما يريده او على الاقل عدم الانخراط وراء تجاهل المطاليب الحقيقية للشعب وصنع سياسات لا تخدمه، وأداته الاهم للوصول لهذا المآل هو الركون لبحوث الرأي العام واستطلاعاته الدقيقة.