الرأي العام.. نظرة تأريخية الجزء الأول:

2015.12.23 - 1:47 - أخر تحديث : الأربعاء 23 ديسمبر 2015 - 2:40 مساءً
ارسال
لا تعليقات
قراءة
شــارك
الرأي العام.. نظرة تأريخية الجزء الأول:

يمكن القول أن البحث عن تأريخية الرأي العام، يسلك مسلكين أحدهما متعلق بالتأريخ الفكري أي متابعة التطور الفلسفي لمفهوم الرأي العام، والتعرّف على تصورات الفلاسفة والمنظرين حوله خلال مختلف العهود، في حين يتمحور المسلك الآخر حول التأريخ الاجتماعي والثقافي للرأي العام، مع ايلاء أهتمامٍ وثيق للتطور التقني والمعلوماتي الذي استخدمه الناس في أبداء آراءهم مما يساعد على تقييم الرأي العام.

يقول (يورغن هابرماس) أن للظروف المتعلقة في كل عصر لها دورأ مهماً وملماً في بلورة الرأي العام في أذهان المفكرين والافراد، فالتوازنات السياسية والظروف التكنولوجية وطبيعة الأنظمة السياسية المتحكمة في ذلك العصر لها دورها الفاعل في صياغة مفاهيم عدة أبرزها الرأي العام، ولهذا يقول (هابرماس) أن الرأي العام هو دائماً في حالة تغير مستمر، وهذا يتوقف على السياق الذي يستخدم فيه المصطلح.

فهم الماضي جزء لا ينفصل عن أية محاولة لفهم الحاضر، فهو وسيلة مهمة تعين لتحليله، فعلى سبيل المثال إن الانتشار المتزايد والواضح لمؤسسات الرأي العام واستطلاعاته كانت قد أصبحت أكثر شعبية خلال و بعد الحربين العالمتين الثانيتين (1914-1918) و (1939-1945)، ولعل أهم سبب في ذلك يعود لبزوغ فجر أنظمة شمولية كالنازية في ألمانيا، والشيوعية في الاتحاد السوفيتي، فنجد أن الولايات المتحدة قد بادرت بمؤسساته مثل (جورج غالوب) مؤسس معهد غالوب عام 1936م، إلى أنشاء استطلاعات رأي عام نابع من اهتمام برأي الشعب حول الانتخابات الأمريكية، رغبة بالخروج من دائرة التكهنات والتنبؤات إلى حيّز الدائرة العلمية ومعرفة توجهات الشعب أزاء المرشحين، يناهض التوجهات الشمولية لمثل تلك الانظمة؛ بأعتبارها تحاول ايصال صورة معيّنة، تعبّر من خلالها على الداعم الديمقراطي وبدأت تروج للاقتراع الشعبي بأعتباره وسيلة ديمقراطية حثيثة تناهض الطغاة، على عكس ما يجري في البلاد ذات الانظمة الشمولية، لتوصل فكرة وترسخها في اذهان الشعوب بأنها نظام ديمقراطي يحترم الحريات وها هو يباشر فعلياً في جعل هذه المبادئ الديمقراطية منهاج عمل عبر الاعتماد على اسلوب الانتخابات والاقتراع، كما أنه سعى- النظام الأمريكي- إلى دعم الدراسات الاستقصائية بأعتبارها رد فعل على الدكاتورية، هذه المنظومة من الافعال السياسية ذات المسلك الأجتماعي، بدورها سوف تخلق تصور لدى الشعوب بأهمية نظامهم السياسي مما يخلق حالة رضى شعبي أزاء النظام وتقّبل لمختلف السياسات التي ينتهجها؛ لأنه فعلياً في حالة مقارنة بينه وبين انظمة الحكم الدكتاتورية التي يشاهد ويلاتها في البلدان الأخرى، أي أن سعيها لكسب التأييد العالمي كان قد اقترن بسعيها لتطويع أداة الرأي العام والاستطلاعات لخدمة الاغراض السياسية وخلق رأي عام مؤيد ايجابي وفعّال. ويبدو انها نجحت في ذلك.

مفردة الرأي العام لم تستخدم إلا حديثاً، وتحديداً في القرن التاسع عشر، إلا أن قبل ذلك التأريخ كان الفلاسفة والمفكرين يستخدمون عبارات مماثلة تعبّر عن الرأي العام. كصوت الشعب والإرادة الشعبية، والعامة والغالبية وصدى الشارع، وغيرها من مصطلحات المشابهة.

أن الارادة الشعبية عند اليونان لا تمثل الشعب، إذ رغم التاًصيل التاريخي لبداياة الارهاصات الأولى للديمقراطية، يعود إلى اليونان بأعتبارهم أول من استخدم الوسائل الديمقراطية كالقرعة وغيرها، ومجلس المدينة الذي كان تناقش فيه المواضيع بحرية ومن دون قيود، ويؤخذ الرأي والبت في القضايا بشكل جماعي من دون أن يكون هناك تفرد في الرأي، إلا إن اعضاء هذا المجلس لم يكونوا كل الشعب، بل كانوا يستثنون ثلاثة ( المرأة والطفل والاجنبي)، ولعل الفيلسوف البديوناني أفلاطون قد كان من المهتمين بضرورة أيكون للإرادة الشعبية رأياً في إدارة المدينة – الدولة بالمفهوم الحالي- ولكن الارادة الشعبية تتمثل بالملك الفيلسوف، فالديمقراطية قد جوبهت بالنقد من أفلاطون، الذي كان يجد أن الديمقراطية هي سيادة الجهل، فالعامة لا يمتلكون معرفة بل مجرد آراء شعبية لا يمكن أن يعول عليها في حكم الدولة، وبالتالي فلم يكن الرأي العام يشكل أهمية لدى أفلاطون، طالما هو يفترض أن الحكمة والمعرفة ملكة لدى الفلاسفة وحدهم، أما الشعب فهم رعاع لا يفقهون شيء. وبالتالي فأن أفلاطون قد قيّم العقل والعقلانية بشكل كبير بأعتبارها المسار الاخلاقي للمجتمعات بل وأفضلها.

أما أرسطو والذي خلف أفلاطون في تأثرهما بأفكار سقراط الذي كان من دفع ثمن حياته بسبب تسييد النظام الديمقراطي حسب وجهة نظر افلاطون. لإأرسطو قدم اختلافاً جزئيا في طرحه عن موقف الشعب من النظام والبنية العامة للمجتمع والسلطة، وأعرب من خلال أفكاره عن أهمية صوت الفرد  وقوة المجتمع المتكل على الاصغاء للشعب، كان بشكل آخر أكثر تفاؤلاً بشأن دور وطبيعة الرأي العام أكثر من أسلافه المفكرين والفلاسفة، لكنه لم يثق مطلقاً بالشعب فلازال يؤمن بأن أفضل الشعب ليس الأغلبية، بل هم قلة (الافضل حكمة وفلسفة).

نهاية الجزء الأول…….

بقلم: حنين عماد